التواصل الحضاري بين مصر القديمة وآسيا
مقدمة
لقد عاصرت حضارتنا المصرية القديمة بعض الحضارات التي قامت في بلاد الشرق الأدنى القديم، ومنها حضارة بلاد العراق القديم، وحضارة فينيقيا (سوریا). تلك الحضارات تأثرت بالحضارة المصرية القديمة في كل مظاهرها، وأثرت أيضاً في الحضارة المصرية في بعض مظاهرها.
معابر التواصل الحضاري نحو قارة آسيا تتمثل في :
- طريق شبه جزيرة سيناء.
- طريق ساحل البحر المتوسط.
- طريق ساحل البحر الأحمر.
أولاً - التواصل الحضاري بين مصر القديمة وبلاد العراق القديم
اتصلت مصر ببلاد العراق القديم منذ أقدم العصور، وكان هناك تشابه كبير في مظاهر الحضارة في كلا البلدين.
التواصل السياسي والعسكري
امتدت الفتوحات المصرية إلى بلاد العراق القديم في عهد الملك "تحتمس الثالث"، وفي أواخر الدولة الحديثة استولى ملك آشور عليها لفترة قصيرة، حتى نجح الملك "أبسماتيك" الأول مؤسس الأسرة السادسة والعشرين في طرد الآشوريين من مصر.
التواصل الاقتصادي
كانت هناك علاقات تجارية بين مصر وبلاد العراق القديم، ويدل علی ذلك الأختام الأسطوانية الأربعة التي عثر عليها في جرزة بمحافظة الجيزة، وفي نجع الدير بمحافظة سوهاج، والتي تنتمي إلى حضارتی الوركاء وجمدة نصر في العراق القديم.
التواصل الثقافي والفني
أخذت بلاد العراق القديم عن مصر نظام الهرم المدرج في بناء معابدها، كما أخذت مصر عن بلاد العراق القديم فن رسم الحيوانات المجنحة، واستخدام الأختام مثل الختم الملكي للفرعون "حورمحب" الأسرة التاسعة عشر.
التواصل الاجتماعي والديني
تأثرت بلاد العراق القديم بأفكار المصريين ومعتقداتهم خاصة فكرة الاعتقاد في البعث والحياة بعد الموت، كذلك انتقلت عبادة "عشتار" من بلاد العراق القديم إلى مصر في زمن الملك رمسيس الثاني في عهد الدولة الحديثة.
ثانياً - التواصل الحضاري بين مصر القديمة وفينيقيا
كان الفينيقييون أول أمة بحرية في التاريخ، وقد سكنوا المنطقة الساحلية شرق البحر الأبيض المتوسط (لبنان وسوريا حالياً) واحتلوا رأس المثلث الحضاري الذي يتكون ضلعه الأيمن من بلاد العراق القديم وضلعه الأيسر من بلاد النيل وقاعدته شبه الجزيرة العربية، ومن هذا المثلث خرجت حضارة إنسانية أشعت بنورها على العالم.
وموقع فينيقيا المتوسط بين الشرق والغرب جعلها جسراً لنقل التأثيرات الثقافية للحضارات في العصور القديمة والقيام بدور الوساطة التجارية بين الشرق والغرب.
التواصل السياسي والعسكري
قام المصريون القدماء بالعديد من الحملات العسكرية إلى سوريا ولبنان للسيطرة عليها، وجعلها وحدة واحدة تمثل خط الدفاع الأول عن الحدود المصرية، وأنشأوا العديد من القلاع والحصون الحربية بها، كما اشترك الفينيقييون مع الملك تحتمس الثالث في معركة مجدو للقضاء على أعدائه.
وفي عهد الملك إخناتون الذي ركز كل اهتمامه على نشر الدعوة الدينية وترك الشئون السورية حتى وصل نفوذ مصر هناك إلى الضياع تقريباً.
إلا أن الملك رمسيس الثاني في الأسرة التاسعة عشر المصرية قد أخذ على عاتقه تعزيز النفوذ المصري في سوريا وبعد المعاهدة التي عقدها الملك رمسيس الثاني مع الحيثيين ظلت المدن الفينيقية تحت السيطرة المصرية، وتدعمت الصلات التجارية بين مصر وفينيقيا.
التواصل الاقتصادي
كانت مصر حريصة على فتح أسواق لبيع منتجاتها واستيراد خشب الأرز من فينيقيا الذي استخدم في مقابر الملوك وصناعة السفن، ويشير حجر بالرمو إلى أن الملك "سنفرو" مؤسس الأسرة الرابعة قد أرسل أسطولاً بحرياً مكوناً من أربعين سفينة لإحضار کتل من خشب الأرز من لبنان، كما زادت العلاقات التجارية بين مصر وفينيقيا خاصة في عهد الدولة الحديثة، كما استعان الملك "نكاو" ببحارة فينيقيين للدوران حول إفريقيا لاكتشاف أسواق جديدة، واستمرت الرحلة حوالي ثلاث سنوات.
التواصل الثقافي والفني
كانت جبيل بمثابة منطقة مصرية يسكن بها جالية مصرية من التجار تمكنت من نشر الثقافة المصرية هناك، وكان الحكام يكتبون أسماءهم بالهيروغليفية المصرية واتخذوا شعاراً ذا طابع مصري لإمارتهم، كما عثر في بيروت على تمثال صغير لأبي الهول وعديد من المسلات المصرية.
كذلك فإن قصة سنوهي تلقي الضوء على الفترة التي مات فيها الملك أمنمحات الأول وتولى الملك سنوسرت الأول الحكم، حيث تصور هذه القصة الحياة في بلاد سوريا، كما تعطي تصوراً أيضاً عن حياة البدو وخشونة طباعهم.
التواصل الاجتماعي والديني
تأثر الفينيقييون بأفكار المصريين ومعتقداتهم الدينية؛ حيث ظهر ذلك في عادات الدفن عند الفينيقيين من وضع الطعام والشراب مع المتوفي على وجود فكرة الاعتقاد في البعث والحياة بعد الموت، وكذلك صور الفينيقييون الكفاح بين الخير والشر في قصة الإله (بعل) إله الخير عدو إله الموت، وهي تشبه قصة (إيزيس وأوزوريس وست المصرية).