الحضارة اليونانية | ملامح من الحضارة اليونانية القديمة
مقدمة
لقد ساعد الموقع الجغرافي لبلاد اليونان "الإغريق" على التواصل مع حضارات الشرق القديم ونشرها في باقي أنحاء القارة الأوروبية وخاصة أنها كانت قريبة من منبع حضارات الشرق (مصر القديمة، فينيقيا، بلاد العراق القديم) وكانت جزيرتا كريت وقبرص بمثابة المعبر الرئيسي لهذا التواصل الحضاري، فنشأت في هذه الجزر أقدم حضارات المنطقة، ثم انتقلت إلى بلاد اليونان "الإغريق" التي كان لها أكبر الأثر في قيام الحضارات الغربية بعد ذلك.
تمثلت حضارات بلاد اليونان في :
١ - حضارة جزر الكيكلاديس
ظهرت في الجنوب الشرقي من شبه جزيرة اليونان وامتدت من ٣٠٠٠ : ١١٠٠ قبل الميلاد، وتم التعرف عليها من خلال بعض الأواني الفخارية التي عثر عليها في بعض هذه الجزر.
٢ - حضارة جزيرة كريت
ظهرت في جزيرة كريت وارتبطت بالحضارة المصرية القديمة وتأثرت بها، وسميت بالمينوية؛ لأن كل ملوكها كانوا يحملون لقب "مينوس" مثل لقب "فرعون" في الحضارة المصرية القديمة.
٣ - حضارة طروادة
كانت تقع عند مدخل مضيق الدردنيل بآسيا الصغرى وكانت متحكمة في طرق التجارة؛ لإشرافها على المضيق ؛ ولذلك كانت تعيش في رخاء اقتصادي ظهر جلياً في قصورها الفارهة.
٤ - الحضارة الموكينية
قامت في إحدى مدن شبه جزيرة اليونان حيث اشتهرت بآثارها ومبانيها المتطورة لخبرة سكانها في البناء وتحصين مبانيهم.
٥ - حضارة مدينة إسبرطة
نشأت إسبرطة باندماج عدد من القرى الصغيرة وعرفت بنظامها العسكري الصارم الذي طبق على كافة مناحي الحياة من أجل إعداد مواطنين قادرين على القتال، وقد انعكس هذا النظام العسکری في التربية على كافة مجالات الحياة: اجتماعية، سياسية، ثقافية فكرية.
٦ - حضارة مدينة أثينا
نشأت أثينا داخل إقليم أتیکا وعرفت بنظامها الديمقراطي، وتميزت بتنوعها الجغرافي الذي أدى إلى اختلاف نشاط السكان فيها ومستوياتهم الاجتماعية.
ملامح من الحياة في بلاد اليونان
أولاً - الحياة الاقتصادية
ساعدت الطبيعة الجغرافية لبلاد اليونان من حيث الموقع والتضاريس والمناخ على التنوع في النواحي الاقتصادية، ويمكن وصف موقعها وطبيعتها الجغرافية بأنها طبيعة جبلية بحرية وبالتالي اهتموا بالزراعة في الوديان والسهول كما اهتموا بالصناعة والتجارة.
١ - الزراعة
أدرك اليونانيون أهمية الزراعة وأنها سبب في الاستقرار، ومن أهم مقومات نشأة الحضارة؛ فاستغلوا الأراضي السهلية في بلادهم حيث تبلغ ۲۰٪ فقط من المساحة الكلية وقد انقسمت الأراضي الزراعية إلى: إقطاعات كبيرة، وأراض للأفراد، وأراض للمراعي، كما اهتم اليونانيون بالثروة الحيوانية لحاجتهم للحومها وأصوافها وألبانها.
٢ - الصناعة
برع اليونانيون في صناعة السفن لطبيعة بلاد اليونان الجغرافية، وكذلك صناعة زيوت الزيتون، النبيذ، والأواني الفخارية.
٣ - التجارة
تعد أهم الموارد الاقتصادية فتحولت الموانئ في بلاد اليونان إلى محطات تجارية مهمة لتبادل السلع، وقد حدث تبادل تجاری بين اليونان وبلاد الشرق فصدرت اليونان الرخام والمعادن والنبيذ والزيوت، واستوردت الأقمشة والحبوب من مصر وسوريا.
ثانياً - الحياة السياسية في بلاد اليونان
١ - إسبرطة
قامت الحياة السياسية في إسبرطة على النظام العسكري الصارم، بل حتى الأمهات كانت تودع ابنها الجندي إلى ميدان القتال بقولها "عد بدرعك أو محمولاً عليه"، ومن خلال هذا النظام الصارم تمكنت إسبرطة من السيطرة على بلاد الإغريق لمدة ۲۰۰ عام حتى سقطت في القرن الرابع قبل الميلاد على يد المقدونيين.
تطور نظام الحكم في إسبرطة :
أ - الملكان : ينتخبان مدى الحياة من أكبر أسرتين في المدينة، وكانت لهما سلطة إعلان الحرب وقيادة الجيش، وكانا يرأسا الهيئة القضائية والمواكب الدينية.
ب - الجمعية الشعبية : تجتمع مرة واحدة في الشهر، ويقتصر دورها على التصويت بالرفض أو القبول للقوانين التي يعرضها مجلس الشيوخ.
ج - مجلس الشيوخ : يتكون من ۲۸ عضواً بالإضافة إلى الملكين فيكون عدد أعضائه ثلاثين عضواً، وينتخبون مدى الحياة من المواطنين الذين بلغوا ٦٠ عاماً وسلطته تشريع القوانين ومناقشتها.
د - الرقباء الشعبيون : هم خمسة أعضاء منتخبون سنوياً لممارسة سلطات تنفيذية وقضائية ومراقبة السلوك والأخلاق وحفظ الأمن.
د - الجيش : هو محور الحياة في إسبرطة لكل من بلغ سن العشرين فهو جندي في الجيش حتى سن الستين.
٢ - أثينا
قامت أثينا في بداية الأمر على النظام الملكي، ثم النظام الأرستقراطي الذي امتلك كافة الموارد الاقتصادية في المدينة مما أدى إلى زيادة الفقر، وبدأ السكان يقومون بثورة ضد هذا النظام فقام الحكام بتقديم بعض الحلول لترضيهم؛ وهو ما أدى إلى تطور نظام الحكم إلى الديمقراطية في أثينا کما یلی :
أ - تشريعات «دراكون» عام ٦٢٠ قبل الميلاد
حاولت الطبقة الأرستقراطية المسيطرة على الحكم في تلك الفترة الخروج من الأزمة السياسية وإرضاء الشعب بعد ثورته العامة بإصدار بعض التشريعات التي قد تهدأ بها الأوضاع وأطلق عليها تشريعات «دراکون»، والتي منها :
《 القصاص من القتلة بلا محاكمة، والقتل هو العقاب لكل جريمة صغيرة أو كبيرة 》
ب - تشريعات «سولون» حاكم أثينا (٥٩٤ - ٥٩٣) قبل الميلاد
اعتقد البعض أن تشريعات «دراکون» كانت دموية لذلك لم تحل الأزمة الاقتصادية التي ثار من أجلها الشعب، فقدمت تشريعات سولون (٥٩٤ ق.م) حلولاً منها :
- إسقاط الديون.
- تخفيض المهور.
- تشجيع العمل والإنتاج.
- توفير فرص عمل للعامة.
- تحديد حد أقصى للمصروفات على الحفلات.
تخلی سولون عن الحكم بعد أن أخذ عهداً على الأثينيين بالالتزام بتطبيق إصلاحاته لمدة عشر سنوات، وسافر إلى مصر ليطلع على حضاراتها ويستفيد من إنجازاتها.
من أقوال سولون :
《 إن من الصعب على من يقوم بأعمال عظيمة أن يرضي الجميع 》
ج - عصر «بركليس» حاكم أثينا ( ٤٦٧ - ٤٢٨ ) قبل الميلاد
بلغت الديمقراطية في أثينا ذروتها في عهد «برکلیس» الذي انضم إلى العامة رغم كونه من أسرة غنية، وقام بالعديد من الإصلاحات وكان مؤمناً بأن التربية الاجتماعية السليمة هي السبيل لارتقاء الشعب الأثيني ولكن على الرغم من تلك الإصلاحات جميعاً إلا أن الديمقراطية في أثينا لم تكن كاملة وذلك لأنها :
- جعلت الحقوق الانتخابية والتشريعية للأحرار فقط ولا يجوز للعبيد أو الأجانب الاشتراك فيها.
- حرمت النساء من مباشرة حقوقهن السياسية والتشريعية.
ومع ذلك أتاحت الحياة الديمقراطية التي عاشتها أثينا للسكان حرية الفكر والإبداع؛ فتفوقت أثينا في الفنون والآداب والعمارة وظهر فيها الفلاسفة والمفكرين، حتى أصبحت رائدة بلاد اليونان في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد في كافة المجالات.
د - مقدونيا تسيطر على بلاد اليونان
بعد موت الزعيم «برکلیس» نشأت حروب بين أثينا وإسبرطة عام ٤٤١ قبل الميلاد عرفت باسم حروب «البيلوبونيز» أدت إلى ضعف المدن اليونانية إلى أن تمکن فيليب الثاني المقدونی من فرض حكمه بالقوة على بلاد اليونان كلها؛ وحاول إقناعهم بتوحيد الصف تحت رايته لمواجهة الفرس، وبعد وفاته خلفه ابنه الإسكندر الأكبر وكان عمره عشرين عاماً فخرج غازياً؛ ليحقق مبدأ (العالم وطن واحد) وهزم الفرس في آسيا الصغرى، ثم اتجه إلى الشرق؛ ليسيطر على الولايات الفارسية في سوريا ومصر ليكون إمبراطورية يونانية.
من أقوال أفلاطون عن التوازن بين التربية العسكرية والتربية السلمية :
《 إن الدعوة إلى السلام والمسالمة الزائدة عن الحد والتي تجعل الناس لا يحبون الحرب ويدعون دائماً إلى السلام، بل ويعلمون الصغار من الأجيال الصاعدة هذا النمط من السلوك تكون نتيجته بعد وقت قصير أن يصبح المواطنون أقل صلابة مما ينبغي بحيث إذا ما تعرضت المدنية لهجوم أو عدوان لا يستطيعون الدفاع عنها، وسرعان ما يسلمون للمعتدين فيعرضون دولة المدينة للاستعباد بعد الحرية وعلى النقيض من المسالمين فإن تربية الأفراد على العنف والحرب بمناسبة وبدون مناسبة حتى عندما تقتضي الحكمة تجنب هذه الحروب فإنهم يلحقون الدمار بدولة المدينة.