حضارة فينيقيا القديمة
مقدمة
قامت في بلاد الشام حضارات عظيمة منذ أقدم السنين، وتميزت بموقعها الجغرافي وكانت مهداً للديانة اليهودية والمسيحية، ولعبت دوراً بارزاً في نشر الديانة الإسلامية وقد قام فيها منذ فجر التاريخ مجموعة من الحضارات منها الحضارة الآرامية والعمورية القديمة والفينيقية حيث كان الفينيقيون أول من استقروا على الشريط الساحلي لسوريا وساحل فلسطين ولبنان الآن.
وأما كلمة فينيقيا فتعني الأرض الحمراء اللون، ثم أطلق عليها الإغريق اسم (فينكس) أي الشعب الأحمر اللون نسبة إلى الصبغة الحمراء التي استخرجوها من الحيوانات البحرية التي تعيش قرب سواحلهم، واشتهروا باستخدامها في صبغ المنسوجات، ومن كلمة (فينكس) اشتق لفظ فينيقيا.
أشهر المدن الفينيقية
- صيدا
- صور
- جبيل
- بعلبك
- أوغاريث
- بيروت
- عكا
- حيفا
سنذكر نبذة بسيطة عن بعض هذه المدن :
مدينة صيدا
أقيمت على لسان ممتد في الماء وتحيط بها عدة جزر صغيرة، وقد احتلت هذه المدينة مركز الزعامة بين المدن الفينيقية الأخرى.
مدينة صور
تولت زعامة المدن الفينيقية بعد صيدا، وكان يحيط بها سور عظيم أكسبها مناعة ضد الغزاة.
مدينة جبيل
من أقدم المدن الفينيقية وأوثقها صلة بمصر القديمة، حيث عثر بها على كثير من التماثيل المصرية القديمة، وعلى أحجار نقش عليها أسماء فراعنة مصريين وعثر فيها على أقدم أبجدية في الوطن العربي القديم.
مدينة أوغاريث (رأس الشمرا الحالية)
نالت شهرة عظيمة في الفن والعمران، وتقدمت تجارياً؛ حيث كانت ميناءاً يمتلئ بالبضائع التي تصدر إلى كل الجهات.
الفينيقييون وتوسعهم البحري
كان لوجود الفينيقيين على ساحل محدد تحيط به الجبال من الشرق أثر واضح في توجههم نحو البحر طلباً للرزق، وقد ساعدتهم على ذلك مجموعة من المقومات تتمثل فيما يلي:
- توافر الأخشاب الصالحة لبناء السفن.
- موقع البلاد المتوسط بين الشرق والغرب.
- كثرة التعاريج الساحلية المهيئة لنشأة المواني.
وقد ازدهرت العديد من المستوطنات الفينيقية في حوض البحر المتوسط، وأهمها (قرطاجة) التي أسسها الفينيقييون بالقرب من مدينة تونس الحالية، وقد أخذت في التقدم والازدهار حتى أصبحت تنافس المدن الفينيقية في التجارة والنشاط البحري.
أولاً - الحياة السياسية
كانت المدن الفينيقية الشرقية من الناحية السياسية مستقلة عن بعضها البعض، كل منها تهتم بمصالحها الذاتية المباشرة، وكان التنافس سائداً بينها؛ ولذلك لم يستطع الفينيقييون الشرقيون أن يشكلوا وحدة سياسية واحدة، وكانوا يفضلون الأمان والاستقرار السياسي.
ومن هنا كان نظام الحكم عند الفينيقيين شبه ديمقراطياً فكان لكل مدينة حكومة خاصة بها يترأسها:
حاكم أو ملك : يحكمها بالوراثة وكانت سلطته مقيدة، إذ يساعده في إدارة الحكم كل من:
(مجلس الشيوخ) وهم هيئة من المشرعين.
(مجلس النواب) وهم من طبقة الأغنياء.
الكهنة : وهم رجال الدين الذين كان لهم دور في إدارة دفة الحكم.
وقد عرفت بعض المدن الفينيقية النظام الجمهوري وخاصة مدينة قرطاجة التي اعتمدت هذا النظام منذ نشأتها، واستمرت عليه حتى سقطت على يد الرومان.
وفي القرن السادس قبل الميلاد حاول الملك البابلی «نبوخذ نصر الثانی» احتلال فينيقيا، غير أن أسوارها المنيعة منعته من ذلك، ثم قام الإسكندر الأكبر باحتلالها عام ۳۳۲ قبل الميلاد، وبعد ثلاثة قرون خضعت المدن الفينيقية لسيطرة الرومان، ثم دخلتها الجيوش الإسلامية وفتحتها دون مقاومة تذکر عام ٦٣٤ للميلاد.
ثانياً - الحياة الاقتصادية
اهتم الفينيقييون بوجه عام اهتماماً كبيراً بالنواحي الاقتصادية التي تتواكب مع بيئتهم الطبيعية.
الزراعة وتربية الحيوان
اهتم الفينيقييون بزراعة الأرض المتاحة لهم واستغلوا كل المساحات التي يمكن زراعتها، واستطاعوا تحویل سفوح جبال لبنان إلى مصاطب صالحة للزراعة، كما اهتموا بزراعة الحبوب في السهول، والأشجار كالنخيل والعنب والزيتون وأدخلوا شجر الرمان إلى شمال إفريقيا، وربوا الأبقار والأغنام والماعز كما اشتغلوا بالصيد.
الصناعة
تفوق الفينيقييون في كثير من الصناعات ومن أهمها:
صناعة الغزل والنسيج : مثل الصوف والحرير والقطن والكتان.
صناعة الثياب المزخرفة : من مادة حمراء من أجسام بعض القواقع التي تعيش في البحر.
الصناعات الزجاجية : التي عرفوها من مصر وسرعان ما تفوقوا فيها.
صناعة الفخار : والتي تميزت بالدقة والانسجام وحسن الذوق.
الصناعات المعدنية : حيث استخدموا النحاس والبرونز والحديد والذهب والفضة في صناعة الأسلحة.
بالإضافة إلى بعض الصناعات الأخرى مثل صناعة أدوات الزينة، وصناعة الآلات الموسيقية.
التجارة
نهض الفينيقييون بالتجارة نهضة كبيرة حتى سيطروا على تجارة العالم البحرية آنذاك، حتى عرف الفينيقييون بأنهم أول أمة بحرية في التاريخ، وكانت التجارة هي المورد الأساسي عندهم، وأقيمت موانيهم عند الرؤوس الداخلية في البحر، حيث تأثر سكان المدن الفينيقية بطبيعية موقعهم فأفادوا كثيراً من النقل التجاري بين الدول الكبرى القديمة مثل مصر وبلاد ما بين النهرین وبلاد اليونان.
وقد تخصص سكان المدن الداخلية في النقل البري، واحتكروا القوافل التجارية التي جلبت المنتجات الآسيوية والإفريقية المختلفة إلى البحر الأبيض المتوسط.
أما سكان المدن الساحلية فقد اتخذوا طريق النقل البحرى مجالاً لنشاطهم التجاري.
وتوجد في قرطاجة أيضاً موانئ لا تزال أطلالها القديمة قائمة، وكان هناك مرسی حربی ومرسی داخلی آخر.
ولم يقتصر الفينيقييون في تجارتهم على تصدير المواد الخام مثل الأخشاب من جبل لبنان، أو المعادن من أقصى الغرب، أو أصباغهم الأرجوانية المشهورة ولكنهم تاجروا أيضاً فيما كانوا يصنعون من منسوجات دقيقة وأواني، ومصنوعات معدنية ومصنوعات من مواد خام أخرى.
ثالثاً - الحياة الدينية
تتمثل خصائص الديانة الفينيقية فيما يلي:
- عبادة الظواهر الطبيعية.
- تقدیس قوى الخصب والنماء.
- تصویر تلك الظواهر والأشياء في هيئة معبودات ذات صفة بشرية.
وكان من أهم المعبودات عند الفينيقيين:
المعبود إيل : على رأس المعبودات الفينيقية وهو صاحب الكلمة الأولى و الأخيرة في شئون البشر الدينية.
المعبود بعل : رب الخصب والنماء الذي أصلح الأرض.
المعبودة عشتار : ربة الخصب والنماء وزوجة الإله بعل وكانت تشاركه في جميع أعماله.
المعبود أدونيس (أذون) : وهو يمثل القوة المتجددة في الشمس بعد هزيمة الشتاء.
المعابد
اهتم الفينيقييون ببناء الكثير من المعابد للمعبودات الخاصة بهم، وكان بناء المعابد بسيطاً في بداية الأمر، لكن بمرور الزمن تطور بناؤها لتصبح غاية في الفن وروعة في البناء.
رابعاً - الحياة الاجتماعية
كان المجتمع الفينيقي يتكون من ثلاث طبقات :
الطبقة العليا : تشمل الوزير والنبلاء وكبار الكهنة والتجار الأغنياء.
الطبقة الوسطى : تشمل أصحاب المهن والصناعات والموظفين.
الطبقة الدنيا : تشمل الخدم والعبيد.
خامساً - الحياة الثقافية
نشأة الكتابة واختراع الحروف الهجائية
لقد دعت الحاجة الفينيقيين إلى ابتكار وسيلة سريعة لتسجيل ما يبيعونه وما يشترونه في سجلاتهم، فاخترعوا حروفاً أبجدية مكونة من اثنين وعشرين حرفاً اقتبسوها من الكتابة المصرية القديمة، وكانت أول أبجدية عرفها العالم في القرن الرابع عشر قبل الميلاد.
وأخذ الإغريق الأبجدية عن الفينيقيين بعد أن عدلوا فيها، ثم أورثوها للرومان الذين نشروها في بقية الأقطار الأوروبية، ومنها خرجت الأبجدية الأوروبية الحديثة.
ولا شك أن اكتشاف الأبجدية الفينيقية كان له الفضل الأكبر في نشر الوعي والثقافة والحضارة في شتى أرجاء العالم.
سادساً - الحياة الفنية
١ - العمارة
برع الفينيقييون في فن العمارة وزخرفتها، وكانت القلاع والحصون والأسوار الفينيقية أعظم ما عرفه العالم القديم، كما برعوا في إقامة القصور، وقد عثر في مدينة أوغاريث على بقايا قصر ضخم زینت أعمدته بالفضة، وتدل بقايا المعابد في فينيقيا على مدى تمكن المهندسين من فنهم وقدرتهم على استخدام كتل ضخمة من الأحجار.
٢ - الفنون
تفوق الفينيقييون في فن النقش والنحت ويبدو هذا واضحاً فيما عثر عليه من توابيت رائعة النقوش.
كما أتقنوا فن صناعة الحلي، فصنعوا العقود والخواتم والأقراط والأساور من الذهب والفضة والأحجار الثمينة.