حضارة بلاد العراق القديم
مقدمة
حضارة بلاد الرافدين هي واحدة من أعرق الحضارات في منطقة الشرق الأوسط، كما تعتبر أقدم حضارة في التاريخ الإنساني، وهي لا تقل في أهميتها عن الحضارات العظمى أو الحضارة المصرية القديمة؛ ويرجع ذلك إلى تشابه الظروف بين البلدين، فمصر والعراق تجري فيهما الأنهار الجارية العذبة والأودية الخصبة التي شجعت على الزراعة والاستقرار، مثل نهر النيل في مصر ونهري دجلة والفرات في العراق اللذان لعبا دوراً كبيراً في قيام هذه الحضارة وارتقائها، فضلاً عن الموقع المتميز الذي ساعد على التواصل الحضاري مع الدول المجاورة.
أولاً - التاريخ القديم لبلاد العراق القديم (بلاد ما بين النهرين)
يطلق اسم بلاد العراق القديم (بلاد ما بين النهرين) على الأراضي الواقعة بين نهري دجلة والفرات وتتألف من سهل منبسط في الجنوب يرتفع تدريجياً نحو الشمال، ويمتاز بخصوبة التربة وانتشار الزراعة.
وأما تاريخ بلاد العراق القديم فينقسم إلى أربعة حقب تاريخية رئيسية متتالية، ومن أهمها : السومريون والأكاديون والبابليون والآشوريون.
وقد كان لكل منهم مملكة خاصة تميزت عن غيرها من الممالك.
١ - الدولة السومرية
كانوا أول الشعوب التاريخية التي سكنت بلاد العراق القديم حوالي سنة ٤٠٠٠ قبل الميلاد، وأقاموا مملكتهم التي امتدت أراضيها حتى وصلت البحرين (جزيرة دلمون قديماً)، وبذلك تعتبر حضارة السومريين أقدم حضارة في التاريخ، كما أقاموا المدن المزدهرة مثل (سومر، أور، لجش) وكانوا بمثابة دويلات مستقلة تمتعوا بالاستقرار والأمن، ولكنهم تفرقوا نتيجة الحروب التي دارت بينهم.
وقد قسمت فترة حكم السومريين إلى ثلاث عصور كالتالي :
- عصر فجر السلالات الأول ( ٢٨٠٠ - ٢٧٠٠ قبل الميلاد ).
- عصر فجر السلالات الثاني ( ٢٧٠٠ - ٢٦٠٠ قبل الميلاد ).
- عصر فجر السلالات الثالث ( ٢٦٠٠ - ٢٤٠٠ قبل الميلاد ).
وقد كان للحضارة السومرية العديد من الإنجازات في أكثر من مجال مختلف مثل النحت والعمارة والبناء المبهر للقصور والمعابد، كذلك التعدين وسبك المعادن، بالإضافة إلى أنهم أول من قاموا بلحم الذهب في عام ٢٥٠٠ قبل الميلاد.
٢ - الدولة الأكادية
قدموا من شبه الجزيرة العربية واستقروا في وسط العراق القديم تقريباً في ظل السومريين في أوائل الألفية الثالثة قبل الميلاد، وقد تمكن ملكهم «سرجون الأول» ٢٣٥٠ قبل الميلاد من توحيد العراق القديم في مملكة متحدة عاصمتها «أکاد»، وقد استمر حكم سرجون الأول لمدة حوالي خمسة وخمسين عاماً قضاها في القيام بالعديد من الإصلاحات منها إصلاح الجيش وتطوير الأسلحة وأساليب الحرب، ومنها إصلاح نظام الحكم وتطويره. وبعد وفاة الملك سرجون الأول حكم أربع حكام أقوياء ثم ضعفت الدولة وسقطت بعد موت آخر ملوكها «نرام سين»، ثم قامت دولة بابل القديمة.
٣ - الدولة البابلية القديمة
قامت الدولة البابلية القديمة في بداية الألف الثاني قبل الميلاد على يد سلالة بابل الأولى ( ٢٨٩٤ - ١٥٩٥ قبل الميلاد ). وقد سكن البابليون في مدينة «بابل»، ومن أشهر ملوكهم «حمورابي» الذي يعود له الفضل في توحيد البلاد وتوسيع رقعتها؛ حيث امتدت دولته حتى البحر المتوسط. ومن أبرز أعماله :
- عمل على حفظ الأمن والنظام.
- أعاد إعمار مدينة بابل ووسعها.
- بنى معبداً للإله مردوخ.
- أصدر مجموعة من القوانين عرفت باسمه.
وقد أصدر «حمورابی» مجموعة من القوانين الموحدة بلغت ۲۸۲ مادة نقشت على حجر صلب أعلاه صورة له وهو يتلقى القوانين من إله الحكمة والعدل (الشمس). وقد سرت هذه القوانين على جميع البلاد، كما تعتبر أولى القوانين المتكاملة في التاريخ؛ حيث ضمت قوانيناً للعقوبات وقوانيناً للأحوال المدنية والشخصية.
من مبادئ قوانين الملك حمورابي:
- إذا ضرب ولد أباه، تقطع يده.
- الإعدام عقوبة لخطف الأطفال.
- يقتل كل من يشهد زوراً في قضية جنائية.
- إذا قام رجل بالسرقة وقبض عليه فإنه يعدم.
- السن بالسن والعين بالعين والنفس بالنفس.
- إذا أدت عملية جراحية إلى وفاة مريض قطعت يد الطبيب.
- إذا بنی بناء بيتاً ثم انهار فقتل شخص يقيم فيه كان جزاء البناء الموت.
٤ - الدولة الآشورية
هاجر الآشوريون من شبه الجزيرة العربية إلى الأجزاء الشمالية من بلاد العراق القديم، وقد اشتق اسمهم من اسم معبودهم آشور، وكانت عاصمتهم مدينة «آشور» وتمكنوا في عهد الملك «سرجون الثاني» من تكوين جيش قوي والسيطرة على بابل، وكونوا إمبراطورية عظيمة امتد نفودها إلى الشام ومصر، ولكنها لم تدم طويلاً؛ ويرجع ذلك إلى سياسة العنف والتدمير التي اتبعها ملوك هذه الدولة، مما أدى إلى سخط الشعوب في البلاد التي سيطروا عليها، فضلاً عن إهمالهم لثروات البلاد؛ ولذلك قامت هذه الشعوب بثورات متكررة ضدهم، أدت إلى انهيار دولتهم.
إلى جانب الملك سرجون الثاني كان هناك ملوك أقوياء تميزوا بصلابة ملكهم ورخاء فترتهم وازدهار البلاد في عهدهم، ومن أبرزهم :
شلمنصر الأول : وهو واحد من أعظم ملوك الدولة الآشورية، وقد حقق العديد من الإنجازات في أكثر من مجال مختلف، وكان اهتمامه منصباً على توسيع رقعة البلاد وبسط نفوذه عليها.
آشور بانيبال : يعتبر من أكثر ملوك الدولة الآشورية حباً للعلم والمعرفة؛ حيث قام بإنشاء مكتبة ضخمة جمع فيها الكثير من كتب العلم المختلفة التي عرفتها حضارة العراق.
٥ - الدولة البابلية الحديثة
تعرف هذه الدولة بالكلدانية، وهي آخر القبائل التي هاجرت قبل الإسلام من شبه الجزيرة العربية واستقرت في منطقة الفرات الأوسط، واتخذوا من مدينة «بابل» عاصمة لهم.
ومن الجدير بالذكر أن الملك «نبوخذنصر الثاني» يعد من أشهر ملوك الدولة الكلدانية وعرف عنه القوة والصلابة في حكم البلاد، وكان يتميز بكفاءته العسكرية والإدارية وفي عهده اتسعت حدود الدولة، وامتدت من الخليج العربي إلى الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط وصارت إمبراطورية واسعة ضمت العراق وبلاد الشام، وتعد فترة حكمه من الفترات المزدهرة في تاريخ العراق بشكل عام؛ حيث نمت البلاد وتطورت وشيدت العمران والمباني وتنوعت في أشكالها وصورها، ومن أشهر المعالم العمرانية التي بنيت في عهده الزقورة وبوابة عشتار، بالإضافة إلى قيامه بإنشاء حدائق بابل المعلقة التي تعد إحدى عجائب الدنيا السبع.
سقوط بابل
خلف نبوخذنصر ملوك ضعاف فسقطت الدولة البابلية الثانية في أيدي الفرس بقيادة ملكهم «کورش» عام ٥٣٨ قبل الميلاد، ثم جاء الإسكندر المقدونی واستولی علی بابل سنة ۳۳۰ قبل الميلاد، وبعد وفاة الإسكندر حكمها السلوقيون ثم الرومان ثم عادت مرة أخرى للفرس، حتى تم الفتح العربي الإسلامي للعراق سنة ٦٣٢ للميلاد، ودخل العراق في عهد جدید زاهر هو العهد الإسلامی.